أرض الفطرة ..

المشاهدات : 892

الكاتبة: سجى بنت سعد المطلق- ١٤٣٩هـ

تُعد مرحلة الطفولة من أهم مراحل عمر الإنسان، إذ من خلالها تتشكل شخصية الطفل في كافة جوانبها المختلفة.
وأثبتت الدراسات النفسية والتربوية أن هذه المرحلة هي الفترة الحرجة في نمو الإنسان، وأن الطفل يختزل وهو لم يتجاوز العاشرة من العمر أكثر الخبرات والمعلومات التي تؤثر على مسيرته المستقبلية.
لذا لابد أن نعي أهمية الدور المناط بنا لتربية أبنائنا وتظافر الجهود التربوية في المنزل وفي المدرسة على غرس وتأصيل العقيدة الصحيحة في نفوسهم والاعتزاز بهذا الدين حتى نُساهم في إنشاء جيل واعي يحمل راية الإسلام.
والأسرة من أهم مكونات المجتمع فلا بد من العناية بها والحرص على حمايتها من كثير من الوافدات الفكرية المختلفة التي غزت العالم الإسلامي، ونحن الآن على أبواب الإجازة الصيفية، يحرص الآباء والأمهات على إلحاق أبنائهم ببعض المراكز والأندية والدورات بهدف استثمار أوقات فراغهم وتنمية مهاراتهم.
وينبغي التنبيه على مظهرين من المظاهر التي انتشرت في أوساط الأندية وبعض المراكز والتي لها أثر خطير على عقيدة الطفل المسلم:
اليوغا.
وهي ممارسة ابتُلينا بها يدّعون أنها رياضة عقلية بدنية، وتُحدد لها الأوقات في كثير من الأندية تحت إشراف مدربين ومدربات يتولون تدريبهم عليها، وهي في الأصل طقوس وعبادات لديانات وثنية (بوذية وهندوسية) لها تصورات خاطئة عن الخالق والإنسان والكون.
وترتكز هذه الفلسفة على الجانب البدني والعقلي فيغتر بعض الناس ظناً منهم أنها مجرد أنشطة بدنية وعقلية بحتة لا علاقة لها بالعقيدة فيطمع أنها تساعد طفله على التركيز والصفاء.
فاليوغا وما شابهها من الرياضات الفلسفية تقوم على عقائد باطلة تتعارض مع عقيدة الإسلام تعارضاً صريحاً واضحاً، وتمارينها وإن كانت تحوي بعض الفوائد في جوانب معينة، كالراحة الذهنية أو البدنية وتخفيف بعض الآلام، إلا أن ذلك لا يختص بها فقط، بل هو موجود في عديد من رياضات التمدد والاستطالة وغيرها.
إنّ ما يدعونه من منافع لا يبيح لهم ممارستها أو تعليمها للطفل لما فيها من اعتقادات باطلة وما يترتب عليها من مخالفات شرعية وفلسفية.
ولخطورة هذه الممارسة وبطلانها أصدر الفاتيكان فتوى بتحريمها لغرض إشباع الحاجات الروحية بمصطلحات مضللة تناقض الدين المسيحي. فإن كانت الديانة النصرانية المحرفة قامت بتحريمها ومنعها لمناقضتها لدينهم، فالدين الحق السالم من التحريف أولى بمنعها لخطورتها على الاعتقاد.
وقد حث الإسلام على تمايز أتباعه ومخالفة غير المسلمين وعدم التشبه بهم قال e: [من تشبه بقوم فهو منهم]، وفي الرياضات المباحة والمشروعة الخالية من أي محذور عقدي غُنية وكفاية، ومن ذلك ما حث عليه الإسلام كالسباحة والرماية وركوب الخيل، ومما أباحه الكثير كالمشي وتسلق الجبال وغيرها الكثير مما لا إثم فيه.
إن محبة الله سبحانه وتعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم إذا غُرست في نفوس النشء سيقدمون أوامر الشرع على غيره، ويتمسكوا بسنته في الكبير والصغير، وهذا المعنى الذي انطوى عليه حديث عمر رضي الله عنه حينما قال: يا رسول الله لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي! فقال النبي e: [لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك] فقال له عمر: فإنه الآن، والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي e: [الآن يا عمر] .

  1. دورات البرمجة اللغوية العصبية والثقة بالنفس: لا شك أن العمل على تنمية قوة الشخصية أمر مهم للأطفال، فهم بحاجة إلى تقوية الشخصية وعدم الخجل والانطوائية، ليستطيع الطفل مخالطة من حوله والتعامل معهم وعدم الخوف من جوانب القصور في نفسه، فيخشى من سخريتهم ونحو ذلك، مما يجعله ضعيف الشخصية التي قد يصل به إلى الرهاب الاجتماعي، كل ذلك لتكون شخصيته شخصية متزنة ومطمئنة تستطيع مجابهة الحياة والناس، إلا أنه لا بد أن يوازي هذا المفهوم أمور مهمة:
  2. تعريفه بحقيقة النفس الإنسانية، والإقرار بضعفها وذلها وحاجتها إلى خالقها عز وجل.
  3. تعريفه على المنهج الصحيح للتعامل مع النفس الإنسانية الذي يرفعها من هذا الضعف، لتكون برغم ضعفها أكرم خلق الله، والتبرأ من الحول والقوة وطلب العون والقوة والتوفيق من الله وحده فالمؤمن القوي ليس قوياً من عند نفسه، ولا بمقومات شخصيته فقط، وإنما هو قوي لاستعانته بربه، وثقته بوعده سبحانه وتعالى.
    قال الشيخ بكرأبوزيد رحمه الله في كتابه المناهي اللفظية:” لفظة الثقة بالنفس لفظة غير شرعية وورائها مخالفة عقدية، وفي تقرير للشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله لما سئل عن قول من قال: تجب الثقة بالنفس، أجاب: لا تجب، ولا تجوز الثقة بالنفس. في الحديث:( ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.)
    قال الشيح ابن قاسم رحمه الله معلقاً: “وجاء في حديث رواه أحمد: وأشهد أنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضيعة وعورة وذنب وخطيئة، وإني لا أثق إلا برحمتك.”
    وقال تعالى: {وتوكل على العزيز الرحيم} فالتوكل لا يكون إلا على الله والثقة جزء من التوكل.
    قال ابن القيم رحمه الله: “سر التوكل وحقيقته: هو اعتماد القلب على الله وحده.”
    الخلاصة: لابد أن يعي الطفل الفرق بين الثقة بالنفس الثقة المطلقة والتي يُدعى لها في بعض الدورات وبين الثقة المحدودة التي يستطيع من خلالها الإنسان أن يؤدي عملاً من الأعمال بدون تردد وخوف وهو متوكل على ربه مُقر بضعفه وفقره وحاجته إليه.
    ظهرت أيضاً كثير من الإعلانات لإلحاق الأطفال بدورات البرمجة ولا يخفى حكم هذه الدورات، وانتشرت كثير من المقاطع لبعض الدورات الخاصة بالأطفال أو الرحلات التي تدعو بزعمهم إلى تعزيز الثقة وتحدي الصعوبات التي قد تواجه الطفل من ذلك: مقطع لدورة يقوم الأطفال بالترديد مع المدربة لبعض العبارات من ضمن ما قيل: (آمنوا بأنفسكم، آمنوا بالنجاح، لأن ما نفكر فيه نحصل عليه) ولا يخفى المخالفة الصريحة لتلك العبارات للشرع ففيه تطبيق صريح لقانون الجذب من خلال قولهم (آمنوا بأنفسكم، آمنوا بالنجاح، لأن ما نفكر فيه نحصل عليه) الذي يخالف المعتقد الصحيح في الإيمان بالقدر الذي يزعمون فيه أن القدر يجيء ويذهب بناءاً على أفكار الإنسان وأقواله، ولاشك أن بيان حكمه وكونه شركاً في الربوبية ظاهر وللاستزادة يراجع في مظانه.
    وهذا العرض للتمثيل فقط على بعض المخاطر العقدية التي قد تشملها بعض الدورات والمحاضن التربوية، وإلا فغيرها كثير ينبغي التنبه له وبيان خطورته على العقيدة، لئلا نقع في هذه المزالق ونفسد أكثر مما نصلح.
    إن لغرس العقيدة الإسلامية الصحيحة في نفوس الأطفال أثر نفسي واجتماعي فهو “يؤدي إلى تنمية الصلابة النفسية فلا يكونوا عرضة للاضطرابات العصبية عند حدوث الشدائد وينمي صفة التوكل على الله والرضا بقضائه وقدره والتسليم لأمر الله فيتحقق الأمان النفسي للطفل”.
  4. وأخيراً: إن من أكبر التحديات التي تواجه الفرد المسلم والأمة المسلمة هي تنشئة الأبناء تنشئة تليق بمقام الخيرية التي رشحتنا له الرسالة القرآنية النبوية، والحفاظ على الهوية الإسلامية والعقيدة الصحيحة.
    وعندما يتأمل المرء واقع المدارس والأسر الدينية اليهودية أو المسيحية يتألم كثيراً من حرص هؤلاء القوم على تكريس هويتهم الدينية المنحرفة في نفوس أبنائهم، فالواجب الحق هو أن نعمل، ونجتهد كما عمل غيرنا من المجتمعات في المحافظة على هويتهم، ونعرف الأسباب الحقيقية وراء هذا التراجع، وهذا التقليد الأعمى لكل قادم من الخارج، ثم نتعاون جميعاً، ونرسم الخطط، ونوفر الإمكانات، لحمايتهم من الوافدات الشركية التي تهدم عقيدة الطفل وتساعد على تمييع هويته الإسلامية.
    قال ابن القيم رحمه الله: “وأرض الفطرة رحبة قابلة لما يغرس فيها، فإن غرست شجرة الإيمان والتقوى أورثت حلاوة الأبد، وإن غرست شجرة الجهل والهوى فكل الثمر مر”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

  • -معجم المناهي اللفظية، لبكر أبوزيد، ص172.
    -الفوائد، لابن القيم، ص34 – ص87.
    -يراجع كتاب حركة العصر الجديد، لد.هيفاء الرشيد، فيه تفصيل في حقيقة تلك الدورات وحكمها.
    -يراجع مقال الفأل المفترى عليه، د. هيفاء الرشيد، وخرافة السر، أ.عبدالله العجيري.
    -حقوق الطفل في الإسلام من المنظور النفسي والاجتماعي، لناهد عبدالوهاب وغيرها، ص177.

الأرشيف

الاختيار
احفظ الله يحفظك
القائمة