بين تطوّرين

المشاهدات : 1,353

الكاتبة: هناء النفجان

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد:
لا يخفى أن أهل الإسلام يواجهون موجة إلحادية معاصرة ظاهرة في الميدان، ولكن الذي قد يخفى هو بعض صور الإلحاد المتعددة وأبرزها نوعان من الإلحاد: إلحاد مادي مبني على إنكار ما سوى المادة المحسوسة ويمتاز بالتصريح بإنكار وجود الخالق جل وعلا وعدمية الفكرة، ونوع أخطر منه مبني على إثبات لما وراء المادة في مظهر المؤمن بالغيب في الأوساط المتدينة، يمتاز بالحديث عن الروحانيات المجردة، وهو ما يمكن أن أسميه بالإلحاد الروحاني الحديث.
وقد يتبادر للذهن للوهلة الأولى أن هذا النوع من الإلحاد أهون من الأول وأيسر وأقرب والطريق إلى تصحيح مساره أقصر، لما يتظاهر به من الإيمان بقوة خفية وراء المادة، والحق أنه أعمق وأشد من الأول لأمور:
-أن ما يؤمن به من الغيب ليس إلا خرافات تسول للمرء فعل ما يريد، والحكم بما يريد بحجة هذا الغيب الغامض الذي لا سبيل لإثباته.
-أنه متلون وباطني فما يظهر منه ليس هو كامل حقيقته، لذا فلا يعتمد على ظاهر طرحه ولا على ما يتكئ عليه من الحقائق لأنه يسعى لنقضها في حينه.
-أنه لا يستند لمنطلقات حسية أو عقلية صحيحة ومشتركة بين الناس بل يقوم على نقض المبادئ الصحيحة لتلقي المعرفة وإنكار الحقائق المحسوسة، ليجعل المرجع الوحيد هو الحدس فيقدس هوى النفس ويضخم الخواطر ويلبسها ثوب المصدر النقي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، حتى لا يبقى إلا الهوى المتغير فيفتح الباب على الفوضى المعرفية المستحكمة ويعجب كل ذي رأي برأيه مهما سخف، وتتجارى بالناس أهوائهم ظناً منهم أنهم يحتكمون إلى مصدر صحيح، فلا هم آمنوا بغيب صحيح ثابت، ولا اتفقوا على محسوس واقعي، ولا احتكموا إلى مسكة عقل.
فهل أشد ضلالاً وبعداً من هذه النتيجة التي لا يرتضيها أي إنسان يريد الحق والنجاة؟
مع أن الإلحادين المادي والروحاني في السنوات الأخيرة بدأت تلتقي أهدافهما وتتفق مصالحهما بل وتتشابه كثير من عباراتهما وأصولهما: كمبدأ الحرية المطلقة ونسبية الحقيقة، ونسبية القيم ونظرية التطور وبدء الخلق. ولسنا بحاجة لاستفراغ الوسع في إثبات هذا الالتقاء فقد صرح أحد الملاحدة الماديين واسمه (إليان دي بوتون) لضرورة الترقية لنسخة الإلحاد الأولى وسماها النسخة (2.0) للإلحاد، حيث يجد في الإلحاد الروحاني متنفساً ونوعاً من الإشباع الخرافي ، وطريقاً للتملق يفسح له الاختراق في المجتمع بلا مدافعة.


ومن مظاهر الاشتراك بينهما الاتفاق على نظرية التطور، بل إن نظرية التطور(١) عند الروحانية الحديثة تضاهي نظرية التطور عند الداروينية ، فهي عند الداروينية مقتصرة –رغم شناعتها- على إنكار الخالق وإمكان تطور المخلوقات من جنس لآخر في نطاق المخلوقين و مبدؤها الإيمان بالصدفة.
بينما عند الروحانيين يعتبر ما سبق بداية ساذجة لتطور أعمق وهو التطور من مخلوق إلى خالق -نعوذ بالله من الضلال-، وهذا إلحاد صارخ تجاوز حدود المعقول والمناقشة الممكنة ، فهو لا يقتصر على إنكار وجود خالق مع الإيمان بأن الكائنات مخلوقة ، ولكنه انتقل لمرحلة إنكار صفات المخلوق المحدودة وادعاء إمكانية خلع صفات الخالق عليه ، فهذا الفيلسوف الأمريكي رالف إميرسون يقرر وجود الفكر أو الوعي قبل الوجود المادي حيث يقول: “إن القوى المعجزة الفاعلة لعقلك الباطن موجودة قبل مولدك ومولدي” وبهذا يكون الفكر هو الخالق المبدع وبتطوره وجد المخلوق وبتطور هذا المخلوق يعود مرة أخرى إلى أصله الإلهي، وهذا ما تتثنى به تقريرات وممارسات الروحانيين، ففي مذكرات رامثا التي ينقلها (جي زي نايت) الكثير من ذلك.
إذ يعتقدون أن الإنسان بمواصلة التأمل (meditation) يتطور في مستويات الوعي حتى يصبح له من قدرات الخلق والشفاء ما ليس لغيره
ويذهب المركز الأمريكي في ولاية فرجينيا “humanity healing” إلى أبعد من ذلك حيث يعمل على ما يسميه تطوير الوعي على مستوى الحمض النووي DNA، حيث يزعمون أن الاكتشافات الأخيرة في طبيعة الحمض النووي أطاحت بفكرة إن الإنسان “ثابت وراثياً” بل على عكس المتوقع فإن الإنسان كطاقة حية! يمكنه أن يغير من بنية جسمه الداخلية عن طريق التغيير في جسده العاطفي وترددات المعلومات التي حوله حيث يمكنه جمعها من العالم الخارجي والداخلي والتوحد معها، الأمر الذي يؤكد إلى إحداث ثورة في تكوين جسم الإنسان حيث إن “الارتقاء” هو جزء طبيعي ومتوقع للإنسان -عند أتباع الإلحاد الروحاني- باعتباره جزء من هذا الكون وبما أن الكون يتطور وهو تطور تدريجي سوف يستمر حتى لا يكون هناك ضرورة له كعملية جماعية.
فمعتنقي هذا الفكر يجمعون بين التطور الجسدي الدارويني وبين آخر يسمونه التطور الروحي، فهم لا ينكرون فكرة التطور ولكنهم يعتبرونها ناقصة وبداية للتطور الروحي أو على نطاق الوعي.
ويتذرع الروحانيون لإثبات معتقداتهم بكثير من نظريات العلم التجريبي المثبت منها وغير المثبت، (كالعوالم المتوازية ونظرية النسبية، والزمكان، وتأثير المراقب والسنجلرتي والانفجار الكبير، وفيزياء الكم….. وغيرها) وتوظف توظيفا مخادعاً، يبدو في ظاهره غير مصادم لشيء من الدين، كل ذلك لتوطين الإلحاد وإنكار خالق مباين لخلقه خارج النفس المخلوقة.
وفي مقال لراندا الحمامصي تدمج فيه بوضوح بين الإلحاد المادي وفكر الإلحاد الروحاني في مسألة التطور ونسبية القيم ويتضح كيف تتكئ على النظريات جزافاً تقول:
“طبقاً لما وجدَتْه أبحاث علم الإنسان المعترف بها فإن تشريح تطور الطبيعة البشرية لم يتمّ فعلياً إلا قبل خمسين ألف سنة تقريباً، ومنذ ذلك الحين وحتى الآن بقي جسم الإنسان ومخّه بنفس الحجم والهيكل. ومن ناحية أخرى فإن ظروف الحياة قد تغيّرت بالكلية في هذه الفترة ولا يزال التغيير حاصلاً وبخطوات سريعة. وفي سبيل التكيّف مع هذه المتغيّرات أصبح لزاماً على الجنس البشري أن يستغلّ قدراته في الوعي والفكر التصوّري “واللغة الرمزية” حتى ينتقل من حالة التطور الجنيني “Genetic Evolution” إلى التطور الاجتماعي الذي أخذ طريقه إلى التسارع ليأخذ أشكالاً مختلفة…
فهاتان المرحلتان من تطوّر الجنس البشري – المرحلة البيولوجية (الحيوية)، والمرحلة السيكولوجية (النفسية) إنما تتبعهما مرحلة ثالثة في مسيرة الإنسان التطورية، وتلك هي التطور الروحاني…” ثم تسهب في تفسيرات غير مدللة لما تزعم حتى تصل إلى نتيجة تريدها بقولها: ” إننا الآن نتقدم نحو مستوى جديد من التطور الجماعي، وفيه يحدث التكامل والتوازن بين غرائزنا وانفعالاتنا وأفكارنا في عملية واحدة موحّدة. ويكون هذا في حيّز الإمكان متى أتقنّا توسيع مداركنا وعقولنا حتى يصبح بمقدورها الاتصال بالفكر العالمي، وتلك هي عملية روحانية بحتة ” وتختم مقالها بقولها: “عندما يسمح الإنسان للروح عن طريق العقل أن تنير إدراكه، حينئذٍ يحيط بكل المخلوقات…..”! والمحيط بكل المخلوقات هو الله وحده سبحانه وتعالى عما يزعمون.
وقد جاء في مقال بعنوان:” الروح والموت” في موقع الإشراق – ما نصه: “حالات الوعي الأسمى:
لقد أظهرت الدراسات العلمية أن الحالة الرابعة للوعي هي حالة غير محدودة للطاقة وفيها كل صفات “المطلق”، وصفات الحقل الموحد كما تشرح عنها علوم الفيزياء الحديثة المعروفة بفيزياء الكم، إن اختبار حالة الوعي الرابعة تسمح للإنسان باكتساب صفات “المطلق” بشكل تدريجي..
لقد أدرك هذا الإنسان “المتطور” أن الله في داخله..، وفي هذه الحالة من الوعي الذي فيها يكون كل شيء هو الله ويعمل بمشيئة الله ومن أجل الله، يصل الإنسان إلى حالة التوحيد، حالة الأحادية. في هذه الحالة ينقطع العقل عن التأثر بمجريات الأفعال، وتخلص النفس من الانطباعات وتحرر الروح من قيد النفس. هكذا يصل الإنسان إلى نهاية المطاف، ويتوقف كل سعي من أجل “التطور” ويعيش في حالة من الغبطة والسعادة، ويصبح الوجود المادي للفرد مجرد إرادة (يمددها كما يشاء وينهيها كما يشاء).
ويلاحظ هنا الإبطان للمعتقدات خلف مصطلحات مشكلة ك”المطلق” و”حالة التوحيد- والأحادية” وإقحام لمبادئ مشتركة كـ “مشيئة الله” للإيهام بمقاصد صحيحة (٢) والاستقواء بنظريات شائكة على النطاق العلمي كنظرية “الكم”، للاستدلال بها على نتائج مسبقة ومعتقدات روحانية، وإثبات لعقيدة وحدة الوجود.
وقد يظن البعض أنه إيمان بالله عليه بعض الضباب الذي يسهل قشعه وأنه أهون من إثبات وجود خالق منفي أصلاً.
ولكن الحقيقة أنه إيمان بأن المخلوق هو الإله ولا وجود لله سوى ذلك، وأنه هو خالق نفسه ومدبرها، وهذا إنكار للخالق تماماً خارج النفس المخلوقة، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. والواقع أن إثبات الحق ابتداءً لمنكره بالكلية، قد يكون أيسر من قشع خرافة متجذرة واستبدالها بفكرة صحيحة، وفي هذا السياق تأتي الآية الكريمة لتناقش كلا الإلحادين (أم خلقوا من غير شيء، أم هم الخالقون)؟ ففي الشق الأول منها استفهام إنكاري أن يكون الإنسان خلق صدفة من غير خالق، وفي الاستفهام الثاني إنكار أن يكون الخالق هو عين المخلوق.
وهكذا نجد كلا التيارين يلتقيان في أصل كبير وهو الإلحاد في الربوبية، فالفكر الباطني فكر ملحد ينكر فكرة (الإله) المنفصل خارج النفس، ولكنه يسلك في ذلك الإنكار سبيلاً روحانياً يجعل من النفس إلهاً متصرفاً في الواقع، خالقاً لقدره ومستغنياً عن أي دين أو قوة خارج النفس.
وهو تيار ينكر الألوهية ويخلع أفعال الربوبية على المخلوق وينكر النبوة والأديان ويتمرد على الأخلاق والقيم فأي فرق بينه وبين الإلحاد المادي إلا السبيل والمظهر الخارجي.
وللأسف فإنه يوجد في المملكة والخليج العربي من يروج صراحة لهذا الفكر الإلحادي في القالب الروحاني ولهم أتباع وبرامج في المحيط السني وأحياناً بمظاهر سلفية!
كما تلتقي مبادئ الإلحاد الروحاني بالإلحاد المادي في أحادية طرق المعرفة، فكما أن الإلحاد المادي يقتصر على الحس في إثبات المعرفة، فالإلحاد الروحاني غنوصي، يقصر طريق المعرفة على الحدس والصوت الداخلي للنفس، فالمرجعية لديه داخلية، وهذا ضلال أكبر فالحس لا ينكر أنه أحد طرق المعرفة المنضبطة لكنه ليس الوحيد لها، أما الحدس فليس طريقاً منضبطاً للمعرفة بل هو طريق للفوضى المعرفية.
ويضاف لذلك أنه يطرح تحت ستار الأدلة الشرعية والأدلة العلمية، وبهذا يشرّع له، ولا يبدو منكراً أو مهاجماً بل يبدو كصديق مدافع ضد الإلحاد المادي!
ومن هنا يتبين خطورة الإلحاد الباطني المعقد، مقارنة بالإلحاد المادي المباشر.
ومع ذلك فإن الردود والمؤلفات على الإلحاد المادي تملأ الساحة، بينما النوع الثاني لا زال من الأخيار والباحثين من يظن الحديث فيه مبالغة، أو قد يظنه أحد الحلول الصحيحة لدفع الأول!، وذلك لدخوله من باب الفلسفة والتصوف.
مع أن كلاهما إلحاد، والأصول التي يقوضها كل منهما؛ هي أصل الإسلام ولبه، والأصول والمنطلقات التي يبنى عليها الرد عليهما واحدة (كمصادر التلقي والاستدلال وأبواب القدر والإيمان ونحوها) وكلاهما طافح به السطح ومتورط به طائفة من أبناء المسلمين.
وقد آن الأوان لمن شحذ قلمه في الرد على الفلسفة الإلحادية أن يسيله على سائر أنواع الإلحاد لئلا يمحو جهده السابق؛ سيل الروحانيات الحديثة الذي يستحسنه اليوم كثير من أتباع الإلحاد المادي ويجدون فيه البديل المناسب عن التدين والإسلام، نسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه.

ــــــــ

(١) ولا شك أني لا أقصد نظرية التطور الصغرى المقبولة في عالم الأحياء.

(٢) مع ملاحظة نقضها في ذات السياق -كما أسلفنا- وذلك بإعادة المشيئة المطلقة والتدبير للعبد في نهاية النقل.

المراجع:

https://www.ted.com/talks/alain_de_botton_atheism_2_0?language=ar
– راجع كتب – تشوا كوك سوي فصول التأمل على القلبين التوأمين؛ وكذلك سلسلة اصدارات Spiritual
– راجع Understanding Ascension and Coping with the Symptoms and Side Effects “فهم الارتقاء والتعامل مع الأعراض والآثار الجانبية” نقلاً من ورقة بحثية للمركز الكندي” Healing the heart of humanity
– راجع: http://alishraq.net/wisdom/ch102.htm

الأرشيف

“أنا أقدر!!”
تزييف الحقائق
القائمة