تزييف الحقائق

المشاهدات : 1,123

الكاتبة: منيرة بنت عبدالله القحطاني ١٤٣٩ هـ

الحمد لله رب العالمين الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وله الكمال كله، والصلاة والسلام على مربي المسلمين الأول محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على هديه إلى يوم الدين، أما بعد…
يحظى القرن الحالي بتطوراتٍ وتحولاتٍ متسارعة في جميع المجالات، فهو عصر الثورة العلميــة والمعرفيـة والتكنولوجيـــة، ومن الواضح أن وتيرة التغيير تتسارع، وخاصة في تقنية المعلومات ووسائل الاتصالات وبخاصة شبكات التواصل الاجتماعي.
ويمكن اعتبار سهولة استخدام هذه الوسائل سلاحاً ذا حدين، فهي من جهة تتيح للمستخدمين الوصول للمعلومات بضغطة زر، لكنها من جهة أخرى قد تسهم في سرعة انتشار المعلومات المغلوطة، مجهولة المصدر، لاسيما في ظل الهواتف الذكية وتعدد منصات التواصل الاجتماعي، فالأمر لا يحتاج سوى ثواني ودقائق معدودة، لأن تجوب الشائعة الآفاق.
إن “من الظواهر الاجتماعية الواقعية أن الفكرة الوهمية عندما تتردد على ألسنة الجمهور، تكسب قوتها من تردادها فيصبح لها تأثير الحقائق البديهية”(١)
وقد دأب أهل البدع والخرافات على تزييف الحقائق وتلميعها ليحصل لها القبول عند الناس، وهذا ليس بمنهج جديد بل هي طريقة إبليس نفسه حينما سمى الشجرة المحرمة بشجرة الخلد والملك الذي لا يبلى: )فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَىٰ(، هنا نلحظ تهوينه للمعصية وتجميله لوجهها القبيح، وغير صفة وسوسته وإضلاله فجعلها محض نصيحة مشفق ودود )وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ( الشيطان المضل الأكبر قرر أنه ناصح أمين وأقسم على ذلك.
وأهل الباطنية الحديثة من المروجين لخرافات الطاقة الوهمية والجذب المزعوم وما تفرع منهما يسيرون على نفس النهج من قلب للحقائق ولي لأعناق الأشياء فيصير الحق باطلا والباطل حقا، و اختيار مصطلحات جذابة أو على الأقل مقبولة ليجعل المتلقِّي يقبلها، مستحسنًا إياها، غير معظمٍ لجرمها، لما تضفيه عليها تلك المصطلحات اللطيفة من طابعٍ لين يهون من فظاعتها وشدة حرمتِها
وتكمن الخطورة الحقيقية في وجود الغطاء المزين الجميل من هنا يستمر التمادي في الخطأ بل وشرعنته!
فنجد المصطلحات “طاقة سلبية” و “طاقة إيجابية” من أشهر ما يتداوله الناس بمختلف مستوياتهم العلمية والفكرية وكأنها حقائق ومسلمات، بينما هي في الأصل فلسفات مبنية على عقيدة الطاوية الوثنية.
فتارة يصبغون هذه الخرافات بالصبغة العليمة أو الطبية فيجملون خرافاتهم بـ”ثبت علمياً” أو “ثبت طبياً”، كاستخدام بعض الأساور أو الأحجار الثمينة ويزعمون تأثيرها الطبي والذي ينكره الأطباء الثقات أنفسهم، وبالتالي فإن استخدام ما لم يثبت نفعه كونياً قد يؤدي بنا إلى شرك الأسباب.
وتارة يعزفون على الوتر الديني فيوضحون الحكمة من مشروعية أمر ما بهذه المصطلحات، كربط عقد التسبيح بالأصابع بفتح مسارات الطاقة أو تنشيط الطاقة الإيجابية، والتسبيح عبادة والعبادات توقيفية، فلا يجوز التعبد لله تعالى إلا إذا كانت هذه العبادة قد ثبتت بالنص الشرعي (الكتاب والسنة) وإن أهم شروط قبول العمل الإخلاص لله تعالى والاتباع
فعلينا الحذر من هذه الخرفات أشد الحذر صغيرة كانت أو كبيرة، حتى لا نقع في البدع “فالبدع لاتزال تخرج الإنسان من صغير إلى كبير حتى تخرجه إلى الإلحاد والزندقة” .
فلننتبه لهذا الخلط بين الحق والباطل، فالمنهج الباطني الحديث يأتي بالشر مغلفاً بالحق ليسرق من قلوب العباد معاني العبودية ويزيل أثر الدين الحق ويميع التمايز بين الإسلام وسائر الأديان.
ومن أفضل الطرق لمواجهة هذه الخرافات التعامل معها بوعي وفطنة، وذلك بالتحري عن مصدر هذه المعلومات، وعن حقيقة الدراسات، بالتواصل مع المختصين من أطباء وعلماء في كافة المجالات، لتوضيح الحقائق وتفسير المصطلحات، أوفي أقل الأحوال جعل أجهزتنا مقبرة لهذه الخرافات والشائعات بعدم إرسالها مرة أخرى ولنميت الباطل بهجره.

(١) الشيخ صالح الحصين.

المراجع:
– لرجوع لتفصيل الوسائل الكونية والشرعية في كتاب (التوسل أنواعه وأحكامه ) للإمام الألباني
– مجموع فتاوى ابن تيمية

الأرشيف

بين تطوّرين
توظيف التفكير الناقد في الفكر الباطني الحديث
القائمة