وقـفـات إيـمانـية مع الدكتور عـوض القـرني

المشاهدات : 812
إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نتوب إليه و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، و من يضلل فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله، أما بعد: 

فهذه سلسلة وقفات إيمانية مع دكتورنا الشيخ الفاضل عوض بن محمد القرني (المدرب المعتمد في البرمجة اللغوية العصبية) وفقه الله لما يحبه و يرضاه.  وقد استخرت الله تعالى في ذلك، واطمأنت نفسي لبيانها و إخراجها.  وأسأل الله العلي العظيم أن يجعلها خالصة لوجه تعالى وأن تأتي بثمارها وأن يمن علينا بعفوه و رضوانه.

وفي البدء أود التنبيه على أنّ هذه الوقفات هي مجرد فهم قد فهمته من سياق كتابات الشيخ حفظه الله -عز وجل- في البرمجة اللغوية العصبية، وليس لها علاقة بالنيات والسرائر التي علمها عند الله سبحانه و تعالى.  فمن ورقات برنامج الدبلوم في البرمجة اللغوية العصبية للمدرب المعتمد الدكتور عوض القرني وتحت شعار الدورة (ص12) ذكر الآتي:

{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و قولوا قولاً سديداً يُصلح لكم أعمالكم…} الآية. إذاً الإيمان و التقوى {فكر وشعور} ثمرته القول السديد الحق الصواب المطابق للواقع “لغة و خطاب” والنتيجة صلاح الأعمال “سلوك” و إذا صلح العمل صلحت الحياة وعمت السعادة وتحقق النجاح.  وهذا ما نسعى لتحقيقه من خلال القول و العمل المبنيان على الإيمان والتقوى {بالبرمجة اللغوية العصبية} فهي فكر و مشاعر و سلوك)). ا.هـ.

وفي موضع آخر تحت موضوع مكونات شخصية الإنسان وعلاقة ذلك بهذا العلم (ص25) ذكر الأقسام الثلاثة المكونة لشخصية الإنسان في علم البرمجة اللغوية العصبية وهي كما سطرها: (الفكر المشاعر و السلوك الخارجي.  و ذكر في نفس الصفحة: (إن المدخل لتغيير معتقدات و قيم الإنسان هو تغيير تفكيره على أن التفكير يمكن تغييره من خلال السلوك أو الشعور, ومن هنا تنبع أهمية هذا الجانب). ا.هـ.

وبالنظر في هذا الشعار نبدأ بسلسلة وقفاتنا مع الشيخ راجين عفو ربنا عز وجل و توفيقه.
فأول هذا الوقفات الإيمانية هي: هل الإيمان فكر (أو أفكار) وشعور (أو عواطف)؟

وقبل ذلك لا بد من تمهيد بسيط حول مفهوم مكونات شخصية الإنسان في البرمجة اللغوية العصبية المذكورة سلفا، فلقد عمل علماء النفس في مراحل عديدة ومتفرقة على فهم سلوك وشعور الإنسان وطرق تفكيره منذ أمد بعيد، فجاءت من جرّاء ذلك التجارب تلو التجارب والنظريات بعد النظريات لمحاولة تحسين تصورهم لهذا الإنسان العجيب الغريب المجهول في مكوناته.

فمن الفلسفات والاعتقادات الإغريقية إلى نظريات التحليل النفسي الفرويدية إلى نظريات العلاج السلوكي الإدراكي إلى غيرها من النظريات المتنوعة في علم النفس و الطب النفسي. فمثلاً: نظرية العلاج السلوكي أُستعملت للتعامل مع الخوف والتخوّفات والسلوك الإلزامي والإستحواذي، وهذا العلاج يقوم على الاعتقاد بأن ذلك السلوك المعين يتعلّم ردّاً على التجربة السابقة ويمكن أن تكون هذه التجربة جديدة أو مجدّدة، بدون اعتبار تحليل الماضي لإيجاد سبباً لذلك السلوك.  ونظرية العلاج بالتحليل النفسي الإنساني تقوم على النمو الشخصي والتنمية الذاتية.  ونظرية العلاج السلوكي الإدراكي تجمع الأساليب الإدراكية السلوكية في تعلم طرق تغيير الأفكار و التوقعات و طرق الاسترخاء، وتُستخدم للأمراض ذات العلاقة بالإجهاد و الخوف والإستحواذ وإضطرابات التغذية وغيرها.   ونظرية العلاج الإدراكي تستعمل قوّة العقل للتأثير على السلوك، وهذه النظرية مفادها هو استطاعة التأثير على الفهم الذاتي عكسياً وتكيّف الموقف والمشاعر والقدرة على التعامل مع بعض الحالات من خلال تعديل ردود الأفعال و السلوك.  وأما نظرية الجشتالت الألمانية “لفريز بيرلز” تتلخص في أن ردود أفعال الإنسان مرتبطة بالأفكار و المشاعر والسلوك. فالإنسان يكسب وعياً ذاتياً بتحليل السلوك ولغة الجسم التي تُعطي تعبيراً عن المشاعر المكبوتة. وتتضمّن المعالجة بهذه النظرية تمثيل السيناريوهات في أغلب الأحيان واستدعاء الأحلام.

وأما البرمجة اللغوية العصبية من جهة علم النفس فقد جمعت العلاج السلوكي والإنساني الإدراكي والجشتالت بالإضافة إلى عمليات التأثير الإيحائية والتخييلية الأساسية في هذا المجال.

فالبرمجة تقوم على تغيير الأفكار (Thoughts) والمشاعر (أو العواطف و الأحاسيس والانفعالات) (Feelings) من أجل إحداث سلوك (Behaviours) ما مطلوب.  واللغة وقوة الخطاب التنويمي والإيحائي وقوة التأثير التخييلي هي من أهم العوامل المساعدة على إحداث التغيير المطلوب.  ومع تحفظي الشديد على هذا التقسيم الذي ذكره الدكتور عوض القرني في مكونات شخصية الإنسان الثلاثة (فكر و شعور و سلوك) المأخوذ من نظريات علم النفس المذكورة سلفاً إلا أنه ليس هذا مجال التفصيل فيه، وله فسحة أخرى بإذن الله تعالى.  وهذا التحفظ نابع من أن المؤثرات المذكورة تخص فقط علم النفس مع أن هناك مؤثرات و مكونات كثيرة أقوى على شخصية الإنسان وخاصة القدرة والمشيئة الإلهية والجوانب القلبية والروحية منها، وكذلك العوامل الوراثية والبيولوجية والتركيبة البشرية والبيئية والاجتماعية و غيرها.

ومفهوم الأفكار (Thoughts) هنا في علم النفس أو البرمجة اللغوية العصبية هو ما يتفكره الإنسان من نظر و ذهن و تصوّر ورأي وتأمل وظن وأفكار ظنية لها علاقة بالعقل ورؤاه وهي نتاجه الفكر.

وهي آتية من المصدر الإنجليزي (Think) الذي يعني (أظن) أو (أفكر). وهنا ينبغي التنبيه إلى أن هناك لبس عند البعض بين المفردات الشرعية و المفردات اللغوية المترجمة.، فالبعض يترجم (Think) بكلمة (اعتقد).  وهذا من الأخطاء الشائعة، وخاصة إذا نُطق بالجمع لتصبح (اعتقادات) أو (معتقدات).  فالاعتقاد في الشرع يعني ما عقد عليه قلبه، وهو الجزم واليقين والتصديق القاطع، وهو من أعمال القلوب.  وهذا يختلف عن المراد الأجنبي الذي يعني الظن والرأي، وهو من أعمال العقل و الفكر.

وبعد هذه المقدمة نرجع إلى تقرير الدكتور الأخ الفاضل عوض القرني بأن الإيمان و التقوى (فكر و شعور)، فنؤكد على الآتي:

١- إن الفكر هو نتاج العقل و النظر، بينما الإيمان ليس فكراً البتة و أصله في القلب. والإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح.  يقول شيخ الإسلام- رحمه الله- في العقيدة الواسطية: (ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل. قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية).  وقال -رحمه الله- في كتاب الإيمان أيضاً: (وأصل الإيمان في القلب وهو قول القلب وعمله. وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد. وما كان في القلب فلابد أن يظهر موجبة ومقتضاه على الجوارح.  وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه.  ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه وهي تصديق لما في القلب، ودليل عليه، وشاهد له. وهي شعبة من الإيمان المطلق وبعض له).  وهذا اختلاف كبير يُبطل تقريرد.عوض القرني بقوله: أن الإيمان والتقوى (فكر وشعور).  ويقول الله تعالى مؤكداً على ذلك: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يدْخلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكمْ…) (الحجرات: 14).  فالإيمان أصله في القلب و هو الاعتقاد و القول و العمل جميعًا.

٢- إن الشيخ حفظه الله في شعاره البرمجي أيضاً قرّر أن الإيمان و التقوى فكر و شعور.  وهذا أيضاً من الخطأ والخلل العقدي.  ويؤكد سماحة الشيخ ابن باز-رحمه الله- على أنّ حقيقة التقوى عند أهل السنة والجماعة هي خشية الله بأداء ما أوجبه الله على العبد من الطاعة، واجتناب ما حرم عليه من المعصية.  يقول سماحة شيخنا محمد العثيمين-رحمه الله- في عقيدة أهل السنة: (هذه العقيدة السامية المتضمنة لهذه الأصول العظيمة تثمر لمعتقدها ثمرات جليلة كثيرة. فالإِيمان بالله تعالى وأسمائه وصفاته يثمر للعبد محبة الله وتعظيمه الموجبين للقيام بأمره واجتناب نهيه، والقيام بأمر الله تعالى واجتناب نهيه يحصل بهما كمال السعادة في الدنيا والآخرة للفرد والمجتمع، قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَـالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [النحل: 97] ). ا.هـ.

٣- إن مجرد إرجاع الإيمان على أنه فكر يعني أنّنا أقررنا بأن الإيمان عبارة عن أفكار قابلة للأخذ و الرد لأن الفكر رأي قابل للنقاش و المجادلة و الصدق والكذب.  وهذا ما حذّر منه سماحة شيخنا محمد صالح العثيمين-رحمه الله رحمة واسعة- في مسائل رفضه لمصطلح الفكر الإسلامي في “المناهي اللفظية”، و أكد على أنه (خطر عظيم أدخله أعداء الإسلام من حيث لا نشعر).  ويقول الشيخ الدكتور بكر أبو زيد -رحمه الله- في كتابه معجم المناهي اللفظية: (كيف يصح أن يكون الإسلام و مصدره الوحي فكرًا، والفكر هو ما يغرزه العقل، فلا يجوز حال من الأحوال أن يكون الإسلام مظهراً للفكر الإنساني؟ والإسلام الوحي معصوم والفكر ليس معصوما).

٤-  إن الشيخ حفظه الله في شعاره البرمجي أخرج القول و العمل من دائرة حقيقة الإيمان وجعلهما ثمرته و نتيجته، وهذا القول هو من مذهب المرجئة، وهو قريب من قول مرجئة الفقهاء.  ويقول الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله- في مسائل الإيمان: (الذين يقولون إن الإيمان اعتقاد بالقلب ونطق باللسان ولا يدخل فيه العمل وهذا قول مرجئة الفقهاء وهو قول باطل).  وأيضاً الشيخ الدكتور القرني لم يتطرق إلى العمل القلبي البتة.  وحقيقة الإيمان كما أسلفنا عند جمهور أهل السنة والجماعة هي: الإقرار باللسان و التصديق بالقلب والعمل بالجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.  وينظم الإمام ابن القيم -رحمه الله- في أن حقيقة الإيمان تصديق بالجنان وعمل بالأركان وقول باللسان:

واشهد عليهم عن إيمان الورى****قول وفعل ثم عقد جنان

وجاء في التحذير من مثل ذلك بيان لدار الإفتاء بالمملكة برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز-رحمه الله: (فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الكتاب الموسوم بـ: (ضبط الضوابط في الإيمان ونواقضه) تأليف المدعو / *** فوجدته كتابا يدعو إلى مذهب الإرجاء المذموم؛ لأنه لا يعتبر الأعمال الظاهرة داخلة في حقيقة الإيمان، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة من أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية . وعليه: فإن هذا الكتاب لا يجوز نشره وترويجه، ويجب على مؤلفه وناشره التوبة إلى الله -عز وجل-.

ونحذر المسلمين مما احتواه هذا الكتاب من المذهب الباطل حماية لعقيدتهم واستبراء لدينهم، كما نحذر من اتباع زلات العلماء فضلا عن غيرهم من صغار الطلبة الذين لم يأخذوا العلم من أصوله المعتمدة).

وأختم بالتأكيد على أنه ينبغي على مدربي البرمجة اللغوية العصبية ومراكز التدريب عرض محتويات برامجهم التي تُقدّم للمتدربين (وخاصة ما احتوت على استدلالات شرعية) على إدارة البحوث العلمية والإفتاء لاعتمادها و تصويبها قبل عرضها على الناس حتى لا تتوسع دائرة  اللبس و الإثم و الضلال وخلخلة عقائد المسلمين. فينبغي أن تتولى جهة رسمية شرعية معتمدة اعتماد هذه الكتب قبل عرضها على الناس.

وهذا ما يحضرني في هذه الوقفة، والله أعلم.  فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

الكاتب: د. عوض بن عودة آل عودة

الأرشيف

مقدمة حول العقائد الشعبية
ما هكذا يا دكتور عوض تُورد الإبل(1/2)
القائمة