وقفات مع تحدي “تشارلي”

المشاهدات : 668

“تشارلي تشارلي هل أنت هنا؟”

سؤال يطرحه فتيات وشبان في بلاد التوحيد على “شيطان” “مكسيكي” النَّسب ليفتتحوا جولة من الأسئلة المتتالية يجيب عنها “تشارلي”.

فما هي هذه الممارسة التي اكتسح الحديث عنها وسائل التواصل الاجتماعي؟ وما هي حقيقتها؟ وما الأحكام الشرعية المتعلقة بها؟

بدأ “تحدي تشارلي” charlie challenge بالانتشار عبر وسائل التواصل الاجتماعي -محلياً- قبل عدة أيام تقريباً، مواكبة للانتشار العالمي للتحدي ذاته. ولا توجد أصول ثقافية واضحة لهذه الممارسة بعينها سوى ما يتم تداوله عبر الشبكة دون أي مصادر أو توثيق، وهو أن لعبة “تشارلي” تقليد مكسيكي قديم يقوم على استحضار روح -أو مجموعة أرواح- شيطانية يُطلق عليها اسم “تشارلي”.

وتتمثل صورة هذه “اللعبة” في وضع قلم رصاص فوق الآخر بشكل متقاطع (+)، وفي كل من الأربع زوايا المحيطة بالقلمين تكتب كلمة: “نعم” أو “لا” بالتعاقب.

بعدها يبدأ الممارس بنداء “الشيطان” واستئذانه ببدء اللعب، فيقول: “تشارلي تشارلي هل أنت هنا؟” أو “تشارلي تشارلي هل يمكننا اللعب؟”، فإذا تحرك القلم العلوي ليشير إلى “نعم” كانت إشارة من “تشارلي” إلى إمكانية البدء بطرح الأسئلة.

يبدأ الممارس بعد ذلك بسؤال “الشيطان” عن كل ما يبدو له:

هل سأتزوج قريباً؟

هل اختبار الغد صعب؟

هل سأنجب أنثى؟

هل فلان يُحبني؟

وغير ذلك..

فإذا أراد إنهاء اللعبة كان لزاماً عليه انتظار إذن “تشارلي” بذلك، فإن لم يأذن له “الشيطان” بإنهاء اللعبة بقيت البوابة لعالم الشياطين مفتوحة، وبدأت تؤثر في حياة ذلك الإنسان بزعمهم. ثم يتداولون أمثلة مخيفة لإيذاء الشياطين لكل من خالف أمر “تشارلي”.

ولي مع هذه الممارسة عدة وقفات، أكتبها في عجالة، لكثرة الأسئلة حول هذا الموضوع وسرعة انتشاره بين الناس.

أولاً: أصل “اللعبة”.

يُذكر أن ثمة لعبة مشابهة يلعبها الصبيان في المكسيك والدول المتحدثة بالأسبانية لعدة أجيال تدعى Juego de la lapicera، وتشبه إلى حدٍ كبير ما عرف الآن بـ “تحدي تشارلي”.

غير أن نسبة هذه الممارسة للطقوس والتقاليد المكسيكية القديمة فيه نظر، فإن الصورة المنتشرة لا تبدو عليها أي آثار لتلك الثقافات، لا في أدواتها، ولا في صورتها، ولا في اللغة المستخدمة، ولا حتى في اسم “الشيطان”.  بل كلها تشير إلى أصول غربية معاصرة ألبست ثوب الثقافات القديمة كعنصر جذب وإثارة.

ثانياً: حقيقة “تحدي تشارلي”. 

عند تأمل الصورة التي توضع فيها الأقلام المتراكبة نجد أنها وضعية في غاية الحساسية، وليست وضعية ثابتة غير قابلة للتحريك. بل إن أدنى حركة في السطح أو نفخة هواء من نفَس السائل يمكنها تحريك القلم عن مكانه بإحدى الاتجاهات – بل إن إبقاء الأقلام ثابتة هو التحدي الحقيقي. وقد انتشرت عشرات المقاطع المصورة -في الغرب- تبين أن حركة الأقلام أمر طبيعي لا علاقة له بأي قوى خارقة.

ولو كانت هذه الطريقة معتبرة، وغير متأثرة بالعوامل الطبيعية، لما اشتُرط استخدام الأجسام غير الثابتة، ولأمكن استخدام أي جسم مستطيل قابل للتحريك الإرادي، وهذا غير مطبق في الواقع.

ولذلك يغلب على الظن أن هذه “اللعبة” هي مزيج من الأوهام والخدع والمؤثرات الطبيعية التي تخفى على كثير من الناس سهلي الانخداع.

ومما يُغلّب هذا الاحتمال -في نظري- انتشار الأمر بشكل ملحوظ، واستجابة “الشياطين” المزعومة للنداء بشكل متكرر، وهذا لا يُتصور في حق الجان، إذ أن خدمتهم للإنس بالعادة مشروطة، وتكلف الساحر دينه وكثير من دنياه، بينما يجيب “تشارلي” عن كل ما يطلبه السائلون دون أي مقابل يذكر.

لكن يبقى الاحتمال الغيبي وارد في بعض الحالات الفردية، وأن تكون هذه التهيئة والنداء المتكرر لكيان مجهول الحقيقة سبب في استحضار الجن وتسلطهم حقيقة، فإن ترجيح احتمال التحايل والانخداع لا يعني استبعاد الخطر الشيطاني الحقيقي عمن يخوض هذه التجربة مطلقاً.

ومن ثمة يبقى تفسير الأحداث الغريبة التي تلي التحاور مع “تشارلي” -لا سيما إذا أنهيت اللعبة دون أن يأذن “هو” بذلك- متعلقاً بالمقدمات السابقة.

فإما أن يكون العقل والنفس متهيئان لتفسير الأحداث العادية وفقاً للمخاوف المثارة، فتؤدي الأوهام دوراً بارزاً في تثبيت تلك المخاوف وحشد الدلائل المتعسفة لتوثيقها. وهذا أمر معروف ومشتهر في علم النفس.

أو أن يكون الممارس عرّض نفسه -حقيقة- للمس الشيطاني، وظهرت آثار ذلك في نفسه وما حوله.

وكالسابق، الاحتمال الأول -عندي- أقرب، والاحتمال الثاني وارد كذلك.

ثالثاً: “تحدي تشارلي” من منظور شرعي. 

لا يشك مسلم لديه أدنى علم بأصول العقيدة أن هذا العمل محرم مخالف لتلك الأصول.

ولعلي أوجز أوجه المخالفة في النقاط التالية: 

١- أن الممارس لهذا الفعل يظن أنه يخاطب الجن، ويستعين بهم في بعض حاجاته مستفيداً من “علمهم”، وهذا الفعل محرم، ووسيلة إلى الشرك. وفي فتوى اللجنة الدائمة: “لا تجوز الاستعانة بالجن مطلقا؛ لأنهم عالم غائب عنا، وقد قال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا}، وهذا على سبيل الإنكار للاستعانة بعموم الجن، ولأجل سد ذريعة الشرك بالله عز وجل”. وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله عن الاستعانة بالجن فقال: “إنه طَلَبٌ من الجن، فيدخل في سؤال الغائبين الذي يشبه سؤال الأموات، وفيه رائحة من روائح الشرك”.

٢- أن فيه تعظيم للجن والشياطين في نفوس الناشئة، وتعريض قلوبهم للخشية والخوف من هذه الكائنات الخفية، فاستئذانهم لـ “تشارلي” في البدء والانتهاء، وتعظيم شأنه والتخويف من أذاه ذريعة إلى الوقوع في خوف السر، ووسيلة قد تؤدي إلى التقرب إليه بما يكف أذاه، والذي يعد من الشرك الأكبر. قال تعالى: {إِنَّمَا ذلِكُمُ الشَّيْطَـانُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ}.

علماً أن هذا باعتبار ما يقع في قلب العبد، وإن لم يكن لهذا “الشيطان” حقيقة في الواقع.

٣- أن الأسئلة التي تُطرح على “تشارلي” هي أسئلة غيبية، لا يعلم إجابتها السائل في الغالب، ومن ثم تكون هذه “اللعبة” ضرب من ضروب الكهانة الحديثة، كمن يستقسم بالأزلام أو يخط في الأرض. وحكم الكهانة وسؤال الكهان مبسوط في كتب العقيدة.

٤- أن في اللعبة استهانة بالتواصل مع الجان وسؤالهم. فهي -وإن كانت تُعد “لعبة” عند بعضهم ولا يعتقدون حقيقتها- تظل متضمنة لجملة من المخالفات العقدية، وهي سبب في جعل هذا الفعل معتاداً مقبولًا عند الناس، وهذا يفتح باباً خطيراً ويمهد لقبول ممارسات أكثر خطورة وانحرافاً مما هو موجود في الساحة اليوم ومما قد يظهر مستقبلاً.

وفي الختام، أنصح إخوتي وأخواتي باجتناب هذه الممارسة الخطيرة، والإنكار على من يطبقها أو ينشرها ولو على سبيل الفكاهة والتندر، فإن العقائد ليست محلاً للمزاح واللعب. كما أؤكد على ضرورة اعتزازنا -جميعاً- بهويتنا الدينية وعقيدتنا الإسلامية الصافية، وألا نكون كالإمعة نتبع كل ناعق..

هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكاتبة: د. هيفاء بنت ناصر الرشيد

 

 ١٤٣٦ هـ

 

الأرشيف

لماذا َتنْزعُ “مُدربةٌ” الحجاب؟
السلام المنشود
القائمة