الشفاء الذاتي أم الشقاء الذاتي

المشاهدات : 712

الكاتبة: عمرة بنت محمد ١٤٤٠ هـ

يقدر اللَّه عز وجل على الإنسان أحوالا شتى فرح، حزن، صحة، مرض، حياة، موت، ومن أكثر الأحوال التي تزيد العبد قرباً من ربه حال المرض، وخاصة عندما ييأس الأطباء من العلاج، هنا يستشعر العبد ضعفه وضعف جميع البشر المحيطين به، فيلجأ لرب البشر، يلجأ لمنزل الداء والدواء، لكاشف الضر، الشافي سبحانه عز وجل.

وكم سمعنا من قصص المسرفين على أنفسهم بمجرد ما أن يصابوا بأمراض مستعصية إلا ويرجعوا لخالقهم ويتوبوا وينيبوا، فكان المرض لهم منحة، وإن لم يكتب الله عز وجل لهم شفاء لأبدانهم، لكنه كتب شفاء لأرواحهم، فتجد المريض منهم في أشد حالات المرض، لكنه متهلل مستبشر برحمة الله عز وجل، يحمد الله أنه لم يمت قبل ذلك. عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ] رواه مسلم – كتاب الزهد والرقائق.
ومما يدخل في النفس الحزن والأسى أن فلسفة الطاقة الكونية وممارساتها(١)، لم تترك حتى هذه اللحظات الحرجة، التي يستشعر فيها الإنسان ضعفه، ويرجع لربه، فزاحمتها وشوهت عقائد الناس حيالها، بل ربما ألغتها تماماً، فنجد المدرب أو المعلم يرشد المريض أن يستشعر أنه الشافي لنفسه من خلال “طاقة الشفاء الذاتي ” ويأمره أن يردد مانترات(٢) أو تأكيدات مثل قوله: (إن جسدي قادر على أن يعالج نفسه)، (إنني ممتلئ بالطاقة الشفائية)، أو من خلال سماع ترددات معينة ما أنزل الله بها من سلطان.
وقد يُكتب لهذا المريض الشفاء فيظن المسكين أنه شفى نفسه بنفسه عن طريق الطاقة الكونية، وما علم أن شفاءه قد يكون اختبار له واستدراج، قال صلى الله عليه وسلم: [إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج]، وقد يكون سبب شفائه دعاؤه، أو دعاء أب وأم مضطرين. قال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾. النمل 62

ومن يتأمل حال هذا المريض يجده بدل أن يحمد الله على شفائه، ينسب الشفاء لنفسه، فكيف غفل هذا المسكين؟! إذ لو كان هو الشافي لنفسه لم يمرضها منذ البداية؟!
وحين تلغى حالة الضعف والاضطرار، والانطراح بين يدي الله، والإلحاح في دعائه، يفقد المريض أهم سبب للشفاء، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ غافر 60
فالله عز وجل هو الشافي وحده، وقد جعل للشفاء أسبابا شرعية كالدعاء، وشرب ماء زمزم، والعسل، وغيرها من الأمور التي ورد بها نص شرعي، وأسبابا كونية وهي التي ثبتت بالتجربة العلمية المطردة، ويمثلها الآن العلاج بالأدوية الكيميائية، ولابد أن يكون تأثيرها ثابت بالدليل العلمي لا بالوهم والخيال.

والاعتقاد بقدرة الإنسان على شفاء نفسه دون اللجوء للأسباب الشرعية والكونية، ليس بغريب على من يؤمن بهذه الطاقة المزعومة التي من عقائدها تأليه الإنسان وأنه هو الذي يخلق فعله بتفكيره، وشاع عندهم ما يسمى “بقانون الجذب” و”قوة العقل الباطن” فالإنسان من خلال أفكاره يجلب الصحة أو المرض لنفسه، وإن كان المريض مولوداً أو طفلاً صغيراً، زعموا أن ذلك نتيجة لحياة أخرى سابقة، وهذه عقيدة أخرى باطلة، هي عقيدة التقمص وتناسخ الأرواح(٣)، ظلمات بعضها فوق بعض.
يقول أحدهم في كتابه الأكثر مبيعاً بزعمهم: (إن الشفاء الذاتي للجسم سيظل الأكثر إقناعاً على وجود قوة العقل الباطن. فمنذ أكثر من أربعين عاماً مضت شفيت من مرض خبيث عن طريق استخدام قوة الاستشفاء لعقلي التي لا تزال تحافظ عليٌ وتدير كل وظائف جسمي الحيوية)،
(….. أنا على ثقة من أن هذه الوسيلة سوف تساعد الآخرين على أن يثقوا في وجود الشفاء المطلق الموجود في أعماق العقل الباطن لنا جميعاً)،
(عقلك الباطن هو المسؤول عن أجهزة جسمك، ويستطيع أن يشفيك. اذهب إلى النوم كل ليلة وأنت تمني نفسك بالتمتع بأوفر صحة واستسلم للنوم وينبغي أن تكون هذه الفكرة هي آخر ما يكون في ذهنك، وكون عقلك الباطن هو خادمك الأمين، فسوف يعطيك).

وتقول إحدى المتأثرات بهذه العقائد في تغريدة لها: (تعلمت مؤخراً أن أقول لنفسي: أنا سيدة جسدي وأنا التي استضيف المرض فيه وأنا التي أقرر متى يخرج، الحمد لله)!
ومن مكر أصحاب هذا الفكر وتلبيسهم على العوام استدلالهم على باطلهم بقوله تعالى : ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ الشعراء 80 ، فيحرفون معنى الآية ، ويفصلونها عن سياقها ، فيقولون : معناها أن الإنسان هو الذي يجلب المرض لنفسه ، وبالتالي هو القادر على شفائها. ولا يتطرقون لقوله تعالى: ﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، لان آخر الآية يهدم اعتقادهم الباطل ويدل على فساد قولهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: (وقد ذكرت في غير هذا الموضع أنه ما احتج أحد بدليل سمعي أو عقلي على باطل، إلا وذلك الدليل إذا أعطي حقه وميز ما يدل عليه مما لا يدل، تبين أنه يدل على فساد قول المبطل المحتج به، وأنه دليل لأهل الحق وأن الأدلة الصحيحة لا يكون مدلولها إلا حقاً، والحق لا يتناقض بل يصدق بعضه بعضاً، والله أعلم)(٤).

فسياق الآيات: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ، وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّيْنِ﴾ ومعنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى هو وحده الخالق الرازق الشافي المحيي المميت.
يقول البغوي في تفسيره:” ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ أضاف المرض إلى نفسه، وإن كان المرض والشفاء كله من الله، استعمالاً لحسن الأدب كما قال الخضر: ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ وقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾، ﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ أي يبرئني من المرض”.

يقول البغوي في تفسيره:” ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ أضاف المرض إلى نفسه، وإن كان المرض والشفاء كله من الله، استعمالاً لحسن الأدب كما قال الخضر: ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ وقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾، ﴿ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾ أي يبرئني من المرض”.

ويقول ابن كثير في تفسير هذه الآيات: “يعني لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء……” ثم قال: ” وقوله ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ أسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبا، كما قال تعالى أمراً للمصلي على أن يقول :﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فأسند الإنعام إلى الله سبحانه وتعالى، والغضب حذف فاعله أدباً، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن: ﴿وَأنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ ولهذا قال إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ أي إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه”.

فما أشقى من ضيع فرص العودة والإنابة لله عز وجل، وما أشقى من اتكل في شفائه على نفسه الضعيفة التي لا تملك حولا ولا قوة، واستغنى عمن بيده الحول والقوه، عن الشافي القوي العزيز النافع الضار سبحانه.

اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أو إلى أحد من خلقك.
اللهم أشفنا وأشف مرضانا وجميع مرضى المسلمين.

المراجع:

1 الطاقة الكونية مبدا فلسفي عقدي مأخوذ من الديانات الشرقية كالهندوسية والبوذية.
2 المانترات: ترانيم خاصة والفاظ مكررة تمثل بزعمهم المفتاح السري للطاقة اللامحدودة.
3 عقيدة التناسخ: عقيدة هندوسية تزعم أن الروح إذا خرجت من جسد الميت حلت في جسد أخر.
4 مجموع الفتاوى كتاب القدر ص 29.

الأرشيف

إلى رواد السعادة في العالم ..
انظروا عمن تأخذون دينكم
القائمة